Theology and Christianism

من هو الله؟

في غالب الأوقات نسأل أنفسنا ماذا يريد الله منا؟ سؤال اعتدنا أن نطرحه بسبب ضعفنا أو لأننا تعلّمنا أو طُلب منا ذلك، أو بسبب مرورنا بصعوبات. ونبقى بلا جواب وذلك لأننا نناجي إلهًا ليس إلهنا منتظرين منه أن يعمل بطريقتنا ومنطقنا.

إن الإنسان هو كائن إجتماعي يعيش ضمن عائلة وفي مجتمع، يتأثر بأفكار، سلوك، تصرفات وحتى مشاعر من حوله، لتغدو تصرفاتنا هي إنعكاس لبيئتنا، وأفكارنا هي أفكار سمعناها، تربينا عليها وكبرنا معها. وهذا ما تؤكّده الفلسفة وعلم النفس الإجتماعي وتاريخ الإنسان.

ومن تلك الأفكار هي التي حصلنا عليها من عائلتنا ومدرستنا ومجتمعنا عن الله، فثُبُتَت بعقلنا كأفكار صحيحة نتبنّاها وندافع عنها، شاعرين بصعوبة التّخلي عنها. ومع نضوجنا وتطور فكرنا وفكر العالم نبدأ بصراع مع تلك الأفكار رافضين مبادئها، فالبعض يدخل بمنطق: آمن من دون أن تفهم، والبعض الآخر يرى التّخلي عن الله الوسيلة الأنسب.

سنستعرض في هذه المقالة  كيف يرى المجتمع الإله  ومن هو الله.

إله مجتمعنا:

التاجر:

كلّما عملنا أكثر حصلنا على نتيجة أكبر، درسنا كثيرًا تكون علاماتنا أعلى، إن أطلنا ساعات العمل نزيد قيمة راتبنا، زدنا العمل في الإنتاج سننتج أكثر، إن كنّا أطفال جيّدين نحصل على هدية أو على علامة .

منطق ننمو عليه منذ صغرنا لنثبته في سنين الدراسة ونؤكّده في سنين العمل، حتى يصبح عقلنا مبرمجًا لفهم الأمور بتلك الطريقة. …نزيد صلواتنا كلامًا ووقتًا وتضرعاتنا فنختار إماتات صعبة ومتعبة عندما نطلب من الله أشياء كبيرة ومستحيلة، في حين أن صلاتنا تكون قصيرة ولاجهد فيها عندما نطلب أشياء سهلة وصغيرة، والأهم أننا نشارط الإله إن حصلنا على ما نريده سنقدم عملًا صالحًا، أو نقدم أعمالًا صالحة لنتكافئ، فنتعامل مع إله ألبسناه منطقنا، جعلناه يقدم المستحيل إن قدمنا له المستحيل، يقدم القليل إن قدمنا له القليل.

فتصبح النّعم الإلهية هي كالهدايا، نحصل عليها إذا قدمنا عملًا صالحًا أو إذا أطلنا الطلب وأكثرنا التّقدمات.

الغاضب والمكافئ:

“إن لم تقم بعمل صالح سيغضب الله منك”، “سيخنققك “، “سيقاصصك الله”، “لن تصعد إلى السماء” أو “قم بأعمال الخير ليحبك الله  ليرضى عنك”، أفكار سمعناها من أهلنا ومجتمعنا، في مدرستنا أو بعض الأوقات في كنائسنا من بعض الكهنة الذين يستخدمون لغة التخويف. نكبر معها راسمين صورة إله يقاصص ويحاسب، نهرب من الخطأ خوفا من قصاصه ونقوم بالأعمال الصالحة لنرضيه وبهدف ربح الملكوت.

لاعجب في ذلك، فالتاريخ يظهر أن الإنسان آمن بآلهة بذات المنطق وكأنه كان بحاجة أن يؤمن بأنه مراقَب بهدف القضاء على سلوكه الاناني والحد من الشّر الكائن بداخله.

فيصبح خلاص الإنسان مرتبط بالعمل على إرضاء إلهه وعمل الصالحات ليكتسب خلاصه.

المعطي الراحة:

بنى الإنسان عبر التاريخ علاقة مع الآلهة بداعي الخوف، الخوف من المجهول، من الموت، من الوحدة، من الصعوبات، من الطبيعة وغيرها. فكوّن في منطقه فكرة الآلهة التي هي تحرّك كل شيء وتتصرّف بكل شيء حتى بحياتي وذلك لكي يشعر بالإرتياح، وما عليه القيام به هو تلبية مطالبها ليكون الغد أفضل.

هذا المنطق ليس ببعيد عن مجتمعنا، حيث نسمع أن “إختار الله أحدهم زهرة ليزيّن حديقته في السماء”، “يريد الله أن يحدث كل ذلك…أنحن أفهم من الله”، “صعوبتي من الله لكي يعلمني”، “الله بياخذ تيعطي”. وهنا يصبح الإله أداةً لراحتي ألقي عليه ما لا أستطيع تفسيره جاعلًا إيّاه المسبب فأبني علاقة مع هذا الإله بداعي الخوف.

سنلاجظ بعد كل تلك الأمور أن علاقتنا بإله مجتمعنا إن كانت صلاة أو الإشتراك بالذبيحة الإلهية أو بالأعمال هي علاقة خارجية تقتصر على واجبات علينا القيام بها لنتقدّس، فتكون القداسة هي السلوك بحسب قوانين معينة لنصل لراحتنا.

الله:

كل تلك الأفكار ليست الله، ليس هذا الإله الذي أحبنا حتى أرسل إبنه الوحيد، إنها فقط منطق العالم وأفكاره لأن “الله لم يره أحد من الناس قط”[1]، فكلامنا المحدود عنه  بسبب معرفتنا المحدودة له[2]. لنعرف الله يجب علينا التعمق بالإنجيل بكلام يسوع وأعماله،” فليس أحد يعلم مَن الابن إلا الآب؛ ولا مَن الآب إلا الابن، ومَن يريد الابن أن يكشف له ذلك”[3]. و”أنا أتكلم بما رأيت عند أبي”[4].

“ولو عرفتموني لعرفتم أبي أيضا[5]“.

كشف لنا الإبن بأعماله وتعاليمه من هو هذا الإله، “الله محبة[6]“، المحبة التي نظر بها يسوع إلى الزانية وقال لها: “حتى أنا لا أحكم عليك. إذهبي ولا تعودي بعد الآن إلى الخطيئة”.

فالله ليس بحاكمٍ ولا مجازٍ “لا على حسب خطايانا عاملنا ولا على حسب آثامنا جازانا. بل كارتفاع السماء عن الأرض عظمت رحمته على الذين يتقونه.”[7] الله رحوم ينظر إلينا بعين الرحمة يحبنا كما يحب إبنه “وليعرف العالم… أنك أحببتهم كما أحببتني”[8]. هو اله ينظر إلى الجميع، الفقير الغني، الناجح والراسب، القوي والضعيف، الشيخ والشاب، المسيحي وغير المسيحي، الصدّيق والزاني، القديس والخاطئ، بنظرة الحب من دون تمييز.

 الله يحب الإنسان كمحبة الأب الصالح لإبنه، ينظر إلينا كأولاده تلك النظرة التي نكون بها كلنا متساوين بعين الحب الإلهي. وهذا ما يكشفه لنا الإنجيل تدريجيًّا، يُظهر لنا يسوع الله كأب حنون محب  من خلال علاقته به  ومناداته له “أبا”[9]  تلك الكلمة العبرية التي تعني أبي والتي كانت تخرج من فم الأطفال لمناداة والدهم بطريقة مميزة هي تعبر عن ثقة لا محدودة وعن إحترام، إستخدمها يسوع ليؤكد لنا تلك العلاقة الحميمة بين الإبن والأب التي لم تكن أنانية، فيسوع شملنا بها حيث جعلنا أبناء الله وجعله لنا أبا، وذلك يظهره لنا القديس يوحنا في إنجيله في الفصول 14، 15، 16 و 17. 

إن أبوة الله تتجلى بذلك الحب المجاني الذي أُدخِل إلى العالم بالتجسد الإلهي ليعلنه الإبن  القائم أبًا لنا: إني صاعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم”[10]

أظهر لنا يسوع علاقته المميزة بأبيه السّماوي وجعله لنا أبًا وطلب منا الدخول بعلاقة معه ،

“صلّوا هكذ، أبانا الذي في السماوات”[11].علينا إذًا أن نبني معه علاقة ثقة وليست علاقة خوف، وكما أن حبه لي هو مجاني علي أن أحبه بمجانية أيضا. تلك العلاقة التي تسمح لنا أن ننظر إلى أب صالح ومحب يريدنا أن نصل إلى ملئ إنسانيتنا إلى عيش الحب، ليغدو الخلاص هو أمر داخلي بكوننا كاملين في إنسانيتنا.

فالله هو محبة هو أب صالح  ينظر إلينا كأبنائه، فلتصبح إذا علاقتي بالله علاقة داخلية، فتكون صلاتي  وحياتي هي فعل داخلي مع الخالق، فأصبو إلى القداسة.

الإنسان يبحث عن الله ليلاقيه، لنبحث عن الله إذا ونلاقيه ونصنع علاقة حب معه لنصل إلى كمال إنسانيتنا لأن الله بذاته يكفينا وكل الأشياء تزاد لنا.

“وإني أقول لكم. اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يسأل ينال، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له. فأي أب منكم إذا سأله ابنه سمكة أعطاه بدل السمكة حيّة؟ أو سأله بيضة أعطاه عقربًا ؟ فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تعطوا العطايا الصالحة لأبنائكم، فما أولى أباكم السماوي بأن يهب الروح القدس للذين يسألونه.” (لوقا 11: 9)

[1] 1يو 4: 12

[2] تعاليم الكنيسة المسيحية – 40

[3] لوقا 10: 22

[4] يوحنا 8: 38 أ

[5] يوحنا 8: 19

[6] 1يو 4: 8

[7] مزمور 103: 10-11

[8] يوحنا 17 :33

[9] متى 14: 36

[10] يوحنا 20: 17

[11] متى 6 : 9

Click to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Most Popular

To Top