History

لبنان… في عينيّ الحب

هلمّوا ننظر إلى لبنان بمنظارٍ آخر أقلّه في الذكرى الخامسة والسّبعين لعيد استقلاله!!

روت لي صديقة حبّها لشخص بالرّغم من الصّفات السّلبيّة التّي يمتلكها، بالرّغم من نقصه، فكانت عيناها نجومًا تلمع. وسألتها: “كيف استطعت أن تحبّي صفاته السّيئة؟” فقالت لي: “ما معنى الحبّ إن أحببته رافضة صفاته السّيئة؟”

ظلّت كلماتها تصدح في أذنيّ، وفي الباص سمعت شخصين يتحدّثان عن أمور البلد المأساويّة ، ولا حاجة لي لذكرها، فقال أحدهما:” بس يصير لبنان البلد يلي بحلم في ساعتا رح صير حبّو”. والبلد الذي يحلم به نعرفه جميعًا، ونحلم به جميعنا. بلد لا شائبة فيه.

“ما معنى الحبّ إن أحببته رافضة صفاته السّيئة؟” تذكرت قول صديقتي، وتساءلت هل أحبّ اللّبنانيّ بلده يومًا؟ أو بمعنى أدقّ هل أحبّ اللّبنانيّ بلده يوم لم يجده على مستوى توقّعاته؟

لا لم يحبّه، على الأقلّ لبنانيو اليوم، غير أنّ أجدادنا أحبّوه، من أيّام البطريرك إلياس الحويّك حتّى انتهاء الحرب اللّبنانيّة على أقرب تقدير. أحبّوه شبه بلدٍ، فأكملوه ناسجين حدوده بعروقهم.

وما نفعهم للحبّ؟ أستطيع أن أتوقّع سؤالك أيّها القارىء وأيّتها القارئة. وما نفع أجدادنا لحبّ الوطن؟ ربّما إن استطاعت الأمّ والأب أن يردّا على سؤال ما نفع حبّهما لأولادهما لاستطعنا أن نفهم أنّ لا منفعة للحب، فهو ليس سلعة.

 وإن تتساءلون كيف تحبّون بلدًا خاب ظنّكم فيه حتّى تفكّرون بالهجرة؟ كيف تحبّون بلدًا لا يقدّم لكم أبسط حقوقكم؟ بلد سيّئاته أكثر من حسناته!

 إسألوا أمًّا أو أبًا كيف أحبّا ولدهما المريض المعوّق، كيف أحبّا ولدًا كان يوما سليمًا معافى فأتاه الشّلل طارحًا إيّاه في السرير.

أوليس لبنان ذلك الشّاب الّذي كان يومًا سليمًا فأتته الحرب طارحة إيّاه في الهاوية؟  أولم يكن لبنان سويسرا الشّرق فأصابه طاعون الحرب؟

ومازال لبنان الحبيب يتعافى من هذا المرض فرأفةً به والله ما زال يضمّد جروحات الحرب.

في حين نضع اللّوم على المسؤولين حينًا وعلينا حينًا آخر نحن الّذين انتخبناهم، هلاّ تخلّينا عن مرحلة اللّوم وتجاذب السؤولية، واعتبرنا ولو ليومٍ أنّنا نحن وكلّ واحد نلتقيه هو لبنان؟ هلاّ تحلّينا بالمسؤوليّة تجاه وطن لا دولة، وتجاه أرض لا حزب فعشنا على هذا الأساس؟

لبنان هذا بعلله وعيوبه طفلٌ أبصر النّور في 22 تشرين الثاني  1943 . وما إن بلغ، وانفتح على الحياة، وصار عمره 32 سنة حتّى دبّ فيه المرض في 13 نيسان 1975، فصارعه مدّة لا تقل عن 15 سنة. فإنّ جروحات 15 سنة لا تمحى في ليلة وضحاها، ولا في سنة أو إثنين أو حتّى عشرة!

 بل تمحى بالحبّ. بالحبّ المحرِّر.

حبّنا لوطن مجروح.

عندما نمشي، نحن الّذين ولدنا بعد الحرب، بين أهله، ندرك جيّدًا أنّ من نلتقي بهم غالبا هم جيل أهلنا، جيل الحرب الّذي شهد على مآسي، إن فهمناها، ربّما نستطيع أن نتفهّم ولو قليلاً حالة بلدنا لبنان.

هذا هراء! الحلّ هو الحبّ؟ مسخرة!

أولم نعش في حياتنا حبًّا كان يومًا محرّرنا؟ حبّ أمٍ، أو أبٍ، أو زوجةٍ، أو زوجٍ، أو رفيقٍ… حبٌّ عشناه فعلمنا كيف نعامل الآخر ونعمل كلّ شيء لمصلحته. كيف نفكّر به وفي نموّه، كيف نفكر في حل مشاكله ولا نيأس أبدًا.

حبٌّ نظر إلى أفحم نقطةٍ في أعماقنا، تلك النقطة التّي نُخبِّئ فيها ما لا نستطيع البوح فيه ولو لذواتنا، حبٌّ تسرّب خلسةً إلى هناك، فأعاد إلينا نورنا وزال عنا العار والخجل.

ربّ حبٍّ شاركنا لبنان فيه، فكان شريكنا في حياتنا، نحمله في كلّ عملٍ نقوم به، ليكون من مصلحته الخيّرة، فربّما نعيد لطائر الفينيق قوّته فيجمع رماده من جديد، ليولد من جديد ويحلّق عاليًا.

جربنا كل الوسائل الّتي نعرفها لكي نصلّح الوضع، فهلاّ نجرّب الحبّ علّه ينفع هذه المرة.

“ما معنى الحبّ إن أحببته رافضةً صفاته السّيئة؟” الآن فهمتك يا صديقتي.

 

1 Comment

1 Comment

  1. Catherina Medawar

    November 22, 2018 at 1:34 pm

    Very well said!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Most Popular

To Top